هكذا وصلت البنوك إلى لبنان

حسان الزين

وصلت المصارف، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلى الإمبراطورية العثمانية، وضمنها جبل لبنان وبيروت عبر باب وطريق.

الباب العالي، إذ استعانت الدولة العثمانية المأزومة نقدياً ومالياً واقتصادياً بالمصارف الأجنبية وفي مقدمها مجموعة روتشيلد.

وطريق الحرير التي فعّلتها الآلة البخارية والثورة الصناعية في أوروبا، وتمددت عبرها بريطانيا وفرنسا وتغلغلتا في المنطقة حاملتين، وفق دومينيك شوفالييه، “حوائج الغرب وأنماطه”.

تنشر “الجنوب” هنا بدايات المصارف في لبنان، وتتابع الملف في أعداد مقبلة.

كان يا ما كان “في لبنان، صناعة يدويّة للحرير في بداية القرن التاسع عشر، كانت فيما مضى مزدهرة، ولكنَّ ظروف العهد العثماني جعلتها تضمحل”.

من هذه القصّة التي يرويها مكسيم رودنسون، في كتابه “الإسلام والرأسمالية” (الصفحة 120)، يمكن البدء بقصّة المصارف في لبنان.

فالمصارف الأجنبية، البريطانية والفرنسية خصوصاً، وصلت إلى بيروت، ابتداءً من سنة 1856، بالارتباط بـ”صناعة الحرير” و”ظروف العهد العثماني”. وبقيت مستثمراً رئيساً في تلك الصناعة، إلى جانب تجّار وصرافين ومرابين محليين انخرط عددٌ لا بأس منهم بأساليبهم الخاصة في اللعبة المصرفية.

ولا تبدأ قصّة المصارف في لبنان من دون الإطلالة على “ظروف العهد العثماني”، التي كانت بيروت الولاية والمدينة والمرفأ جزءاً منها، وكذلك جبل لبنان الذي كان يمر بمرحلة مفصليّة في تاريخه، إذ يشهد ما يسميه فواز طرابلسي “موت النظام المقاطعجي مخضّباً بالدم (1842- 1861)”.

سحب الذهب والفضة وإفقار

قبل وصول المصارف الأوروبيّة، أفرغت التجارة غير المتكافئة بين أوروبا والإمبراطورية العثمانية الأراضي العثمانية من النقود والمعادن الثمينة (الذهب والفضّة). يكتب دومينيك شوفالييه: “بلغ النزيف النقدي، في أواسط القرن التاسع عشر، حجماً ذا خطورة خارقة لأن تجارة أوروبا الناشئة صناعيّاً، امتصّت بحكم طبيعتها، العملات والمعادن الثمينة بوتيرة متسارعة بدون أن تقدّم بدلاً ذا قيمة كافية. ولقد زاد من حجم هذا التسرّب للمعادن أن الاحتياجات النقديّة الأوروبيّة السابقة لعام 1850 خلقت طلباً عليها” (“مجتمع جبل لبنان في عصر الثورة الصناعية في أوروبا”، ص 351).

وتحفل الوثائق التاريخية بأخبار تحميل السفن البخارية، البريطانية والفرنسية خصوصاً، بالنقود والمعادن الثمينة، بعد إفراغ حمولتها من البضائع. ففي ظل هذا الجموح على المعادن الثمينة، وفي ظل الفساد المستشري في مرفأ بيروت، كانت المعادن الثمينة هي المواد الأولى في التصدير.

وكانت النقود والمعادن الثمينة “تُسحب” ليس لقلّة ما يشتريه التجّار البريطانيون والفرنسيون مقابل بضائعهم فحسب، بل أيضاً لنقلها إلى بلادهم حيث كان هناك نزيف للمعادن الثمينة نحو مناطق أخرى من العالم (الهند والصين، مثلاً). ما كان يسبب أزمات نقدية واقتصادية في عدد من الدول لا سيما بريطانيا. وكذلك تُسحب النقود ذهباً وفضّة للمضاربة بها في مرافئ ومدن أخرى منها الاسكندرية. وكان التجّار والصيارفة ووكلاؤهم يستحوذون على النقود الثمينة و”المفيدة” ويهملون ما لا ينفع تجارتهم ومضارباتهم. وتروي وثائق دبلوماسيّة وتاريخية أنه خلال أزمات الثلاثينيات والأربعينيات من القرن التاسع عشر تضمّنت النقود المسحوبة عبر مرفأ بيروت قطعاً معدنيّة “مفخوتة” مما كانت النساء يضعنه في العقود حول أعناقهن. ما يدل على أنهن، بسبب الأزمة، إضطررن إلى التخلّي عن تلك القطع التي هي نقد.

وإضافة إلى “الإفقار الاقتصادي والاستنزاف الرهيب للنقد المعدني (ذهب وفضّة) اللذين نتجا عن الخلل في الميزان التجاري”، “تراجع الإنتاج الحرفي في البلاد”، الذي “لم يكن النتيجة الوحيدة للغزو السلعي الأوروبي” (وجيه كوثراتي، “الاتجاهات الاجتماعية- السياسية في جبل لبنان والمشرق العربي 1820- 1920″، ص 47).

إلى هذا، هناك أزمات الامبراطورية العثمانية التي ترخي بظلالها على الوضع في البلاد. فالدولة كانت في تخبّط نقدي ومالي واقتصادي وإداري، “والفوضى تتحكم بالإنفاق العام، فقد كانت مالية الدولة مندمجة في حسابات السلطان، ولم تنشأ قبل 1838 وزارة للمالية” (غسان العيّاش، “تاريخ المصارف في لبنان”، 19).

مما دخلت المصارف

وفيما “صُنِعت طريقة الغزل على أسس رأسماليّة” في عام 1840 تقريباً، وفق رودنسون، “ازدادت حاجة فرنسا في منتصف القرن التاسع عشر إلى خيوط وشرانق الحرير” (كوثراني، 48).

وجاء الفرنسي نيقولا بورتاليس ليشيّد معملاً للحرير في جبل لبنان. “استورد حوالى 40 مغزلاً آليّاً فأسّس بها معملاً للحرير” (رودنسون، 120)، في قرية بتاتر الشوفية. وصار، وفق شوفالييه، “أول من باشر العمل بحلّ الحرير صناعيّاً في جبل لبنان” (378). وإذا كان بورتاليس قد وفّر مصدر رأسمال من صديقين في بلاده، فإن تلبية حاجة فرنسا إلى الشرانق وخيوط الحرير أكبر من معمل. وهناك تجار آخرون، لا سيما في ليون الفرنسية، يعملون في الحرير ويريدون توسيع استثماراتهم.

فمن هذا الباب، أي تمويل إنتاج الحرير، عَبَرَ الرأسمال الفرنسي ووصلت مصارفه إلى بيروت وجبل لبنان. ففيما تزايدت حاجة فرنسا إلى الشرانق والخيوط، البلاد هنا في “حالة إفقار” ولا إمكانية لصناعة حرير، لا يدوية ولا “على أسس رأسمالية”، وفق تعبير رودنسون. أي، ثمة حاجة إلى الرأسمال والنقد (الائتمان) لنشوء الصناعة وانتعاش التجارة.

رساميل لبنانية خاضعة لفرنسا

“وتأسست في جبل لبنان بين 1840- 1850 خمس حلالات فرنسية، أو تعمل برأسمال فرنسي، كذلك دفع ازدياد الطلب الفرنسي لخيوط وشرانق الحرير إلى زيادة المساحة المزروعة توتاً على حساب زراعات أخرى، وأدى إلى نوع من تخصص زراعي لجبل لبنان” (كوثراني، 48).

“وبدأ بعض اللبنانيين يوظّفون رؤوس أموالهم في مشروعات مماثلة، فما إن جاء عام 1885 حتّى كانت هناك 105 معامل للنسيج ليس منها إلا خمسة فرنسية، ولكنّها جميعاً كانت خاضعة لرأس المال الفرنسي، ولا سيما لشركات مدينة ليون، إذ كان نصف رأس المال الموظف في شراء الشرانق (وهو الجانب الأهم في رأس المال) يُقترض من ليون بفائدة تصل عمليّاً إلى 10%، كما كان كل الحرير اللبناني تقريباً يموّن سوق ليون” (رودنسون، 120).

قبل ذلك، وصل البنك العثماني، وهو المؤسّسة المصرفية الأولى التي تفتتح فرعاً لها في بيروت (1856). لكن هذا البنك العثماني الذي شجّعت الحكومة على تأسيسه برأسمال بريطاني ثم انضمت مجموعة فرنسية إلى المساهمين فيه، خيّب أمل الدولة، “لأن تأثيره في السوق النقدية بقي محدوداً، فلم يفلح في منع تراجع أسعار صرف النقود العثمانية تجاه العملات الأوروبية” (وفق العياش، 23).

نمط جديد من الاستثمار

ويكتب وضاح شرارة: “بين 1859 و1863، بنت شركة فرنسية خط بيروت- دمشق وجعلت منه خطاً صالحاً لانتقال العربات وسيرها، وذلك بمساهمة أموال محليّة. وقد شقت الطريق الجديدة بصورة راعت حاجات الصناعة الحريرية ونقاطها الرئيسية، وسهولة الاتصال التجاري بين وحدات التحويل والسوق السورية من جهة، وبين عنابر بيروت، التي تحوّلت إلى مرفأ التجارة مع مرسيليا، والاستهلاك الذي يتجاوز بيروت نفسها والجبل الكبير. حول هذين المحورين، الحرير والتجارة، ازدادت شبكة المواصلات كثافة. مع مطلع الخمسينات (1850)، وتدفّق الذهب الأميركي والاسترالي على أوروبا، طرأت على العلاقات النقدية والتجارية تحولات هامة جعلت النقد الأوروبي ومؤسّساته المصرفيّة أداة التبادل الرئيسيّة. ما أدّى إلى افتتاح فروع محليّة للمصارف الغربية تدعم اتساع التبادل التجاري وتمدّه بأداته الحيويّة. وقد تمّ ذلك بواسطة الفئات التي تمرّست منذ زمن بدور الوساطة كما راكمت ثروة نتيجة اضطلاعها به” (“في أصول لبنان الطائفي”، 89).

هنا، يستنتج شوفالييه: “استدعى التغيير في أساليب التعامل التجاري في العصر الصناعي، وجود نمط جديد لتداول رأس المال المؤهّل لمواجهة اختلال التوازن الانتاجي المتزايد بين الشرق والغرب. وفي هذا الصدد، كانت المبادرة مرّة أخرى في يد الذين كوّنوا لأنفسهم نظاماً حديثاً للائتمان والاستثمار. وهكذا، لم يعد الاندفاع في البحث عن المعادن الثمينة في الشرق الأدنى على حالته السابقة، واعتمدت التجارة الأوروبيّة لتدعيم بقائها في المنطقة على أدواتها النقديّة الخاصّة بها. قدّمت فروع البنوك الأوروبيّة والمؤسّسات المصرفيّة التي تم إنشاؤها بعد عام 1850 في المدن الكبرى شرقي حوض البحر الأبيض المتوسّط رأس المال وإمكانيّات التبادل الضروريّة للتوسّع التجاري الأوروبي واستثماراته، ولتلبية احتياجات التجارة المحليّة وكذلك احتياجات الدولة العثمانية. وأصبح تداول العملات الأوروبيّة- غير الشرعي في بادئ الأمر ثم المتسامح فيه، علامة التبعيّة الاقتصادية للامبراطورية العثمانية أكثر من أي وقت مضى في حين كان إيقاع التبادل وحجمه يتناميان بسرعة” (352).

باختصار، يقول شوفالييه، “يتعلق الأمر بنمط جديد من الاستثمار” (360). فلم يعد النمط القديم الذي أفقر هذه المنطقة ومنها لبنان، مفيداً للتجارة الأوروبية أو يلبّي حاجاتها. فأتت المصارف.

بيروت تستقبل المصارف

“وكان لبنان في عهد المتصرّفية ينعم بأمان وازدهار لم يشهدهما في تاريخه” (كمال الصليبي، “تاريخ لبنان الحديث”، 185).

و”بيروت عاصمة اقتصاديّة لجبل لبنان من خارجه وبوّابة سوريا، لكنّها أخذت تتجاوز وظيفتها المرفئيّة تحديداً والتجارية كذلك. إذ دفع نموُّ قطاعها التجاري إلى ظهور قطاع جديد وهو قطاع الخدمات الذي ما إن سجّل انطلاقة حتّى بدأت المصارف الأوروبيّة تفتتح فروعاً لها في بيروت وأنشئت في ساحة العاصمة بيوت للنقل والتأمين أو الخدمات” (سمير قصير، “تاريخ بيروت”، 146).

وبعد البنك العثماني افتتحت مصارف أوروبية فروعاً لها في بيروت وعدد من المدن اللبنانية. فكان بنك كريدي ليونيه الفرنسي الواصل الأول، 1875، إلى بيروت. وهذا ليس غريباً بالنسبة إلى مؤسسة تعمل في الحرير.

وافتتح البنك الألماني الفلسطيني بعد تأسيسه سنة 1889 فرعاً له في بيروت.

ثم استقبلت بيروت فرعاً لبنك الشركة الإنكليزية الفلسطينية، الذي أسّسته سنة 1902 مجموعة روتشيلد.

وفرع لبنك ألمانيا- الشرق بعد تأسيسه سنة 1906.

ويشير سليم نصر وكلود دوبار (“الطبقات الاجتماعية في لبنان”) إلى فرع لبنك الشرق الألماني.

إضافة إلى البنك الزراعي العثماني (1887). وهو حكومي وكانت موازنته ضئيلة. “ولوحظ أنَّ كبار ملاكي الأراضي استأثروا بمعظم تسليفات المصرف، فيما كانت حصّة المزارعين الصغار هزيلة” (العياش، 26).

عمل المصارف وعملاؤها

وللتوضيح، لم تضع المصارف الأجنبية تسليف اللبنانيين، أو “خدمة الاقتصاد اللبناني”، في رأس أولويّاتها، بل ركّزت نشاطها في خدمة مواطنيها وأعمالهم.

هكذا، تُركت ساحة التسليف لمؤسسات الصرافة والكونتوارات المحليّة. وانتشر في المدن والبلدات والقرى، وسطاء أصغر حجماً، وأحياناً من المقاطعجيين، يعملون لحسابهم الخاص أو للمؤسسات، وسط تنامي الحاجة إلى النقد والتهافت على استحواذه وتراكم الثروة.

وكان معظم التسليف يقوم على مبدأ الشراء المسبق للمواسم الزراعية، التي يخمّن أسعارها المقرِضون ومن هم ضمن شبكتهم، لا سيما في مرفأ بيروت.

ووفق العياش، فيما “تولّت مؤسّسات الصرافة الوطنيّة تأمين الحصّة الكبرى من هذا التمويل”، لم تسهم “فروع المصارف الأجنبيّة، إلا بنسبة ضئيلة في تمويل الاقتصاد المحلّي، لأنّها كانت تفضّل تسليف رجال الأعمال الأوروبيّين العاملين في بيروت. فالمصارف الفرنسيّة كان لديها عدد قليل من الزبائن المقيمين، وأغلبهم من التابعية الفرنسيّة، باعتبارهم قادرين على تأمين ضمانات مقنعة للمصرف الدائن”. فيما كانت “المؤسّسات الوطنيّة، تعرف السكان أكثر من سواها… لذلك، فالتسهيلات التي حصل عليها التجّار المقيمون من مصارف ليون لم تكن تعطى بشكل مباشر، بل عن طريق المؤسّسات المصرفيّة المحليّة” (33).

ويكتب كوثراني نقلاً عن غاستون دوكوسو: “وحدهم أصحاب الحلالات الذين يقدّمون ضمانات جديّة (ولنضع مواطنينا جانباً) يستفيدون بشكل مباشر من السُّلَف المقدّمة التي تُسدّد بإرسال الحرير المسجّل بالأمانة. بينما بالنسبة إلى الآخرين فإن ليون تقدّم إليهم المال بواسطة المصارف المحليّة. فموقع هذه الأخيرة يسمح لها بمعرفة مدى قدرة المستدينين الذي يلجأون إلى رهن عقار أو ممتلكات” (“بلاد الشام في مطلع القرن العشرين”، 125).


“نواة” المصارف في الجنوب

إعداد: حسان الزين

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s